RSS
Image

هيكل، عندما ينتهي عمر المفكر الافتراضي

15 Nov

صالح بن عبدالله السليمان – كاتب مسلم عربي سعودي

جميع البضائع والمنتجات لها عمر افتراضي، أو مدة صلاحية. وبعد هذه المدة تصبح السلعة عديمة الفائدة , بل ويصبح استهلاك بعضها خطرا على الأفراد.

وهكذا أيضا الكتاب والمحللون، فلهم عمر افتراضي، بعدها يصبحون عديمي الفائدة أو خطر على الأمة، إلا إذا قاموا بمتابعة المفاهيم والمتغيرات الجديدة، ومن هؤلاء المحللون من كان له قامة وسمعة في العالم اجمع، وليس في عالمنا العربي فقط.

محللون توقفوا عند مفاهيم عفا عليها الزمن وتجاوزها . وأثبتت التجربة أن القواعد والشعارات التي يتخذونها كانت وما زالت سبب في تخلف الأمة وتأخرها عن ركب الحضارة الإنسانية.
ومن هؤلاء الدكتور محمد حسنين هيكل الذي اشتهر بكونه المتحدث الرسمي لجمال عبدالناصر ومن ثم أصبح منظّرا للقومية العربية.

الدكتور هيكل محاضر في جامعات أوربية وأمريكية، ولكنه عندما يتحدث لوسائل إعلام عربية تتحول هذه العلاقة الحميمة إلى عداء فنجده يهاجم هذه الدول. وهذا مصدر تساءل (؟)
نعود أولا لنظرية القومية العربية، التي استوردت في بداياتها الى عالمنا وترعرعت في الشام ومصر، لتكون مقابل للقومية التركية التي تبناها مصطفى كمال أتاتورك وحزب تركيا الفتاة، وتلاها ساطع ألحصري وبداية الكتابة والتنظير للقومية العربية.

هذه النظرية نجد أن من تبناها هم حزب البعث العربي الاشتراكي، والقوميين العرب، يمثل الأول كل من صدام حسين وبشار الأسد، ويمثل الثاني جمال عبدالناصر ومعمر القذافي، ولنقل وبئس الممثلين لمثل هذه الأيدلوجيات.
بالطبع لا انتقد القومية العربية . ولكن انتقد من يمثلها ومن يتحدث باسمها. مثل محمد حسنين هيكل، الذي مازال يؤله كل من حمل الفكر القومي وحاول تطبيقه عن طريق الظلم والبغي.
الخطأ الكبير في هذا الفكر، انه يؤمن بالقومية العربية ولكنه لا يؤمن بالعرب، أو من يسكن في ما نسميه العالم العربي. يؤمنون بالقومية ولا يؤمن بالقوم أنفسهم، يؤمنون بالعربية ولا يؤمنون بالعرب.
فيقول عن العرب أنهم أرث يتنقل من العثمانيون إلى الغرب، ويطرح وجهة نظره هذه في آخر مقابلة له، إذ يقول :-
« الخرائط الجديدة لا توزع إرث الخلافة العثمانية وإنما توزع إرث المشروع القومي العربي الذي تمكن من طرد الاستعمار الغربي في مرحلة سابقة وحاول أن يملأ الفراغ وعجز.. وأن دولة الخلافة العثمانية لم تستطع أن تحمي أملاكها، وهكذا جرى ارثها، وان المشروع العربي لم يستطع أن يحمي نفسه وهكذا اليوم يتوزع ارثه »
هنا نقول للأستاذ هيكل أين إيمانك بالقومية العربية ؟
هل الانتماء للقومية العربية توجب على من ينتمي لهذه الأمة أن يقبل بحكم طاغية متسلط لكي تتحقق أهدافها؟
ألست تقول انك تؤمن بالقومية العربية؟
ألا تظن أن الإيمان بالقومية العربية تجعل من المنطقي أن تؤمن بمن ينتمي أو ينتسب لها؟

مهما كانت إجابة هذا الأسئلة سواء بلا أو بنعم فهي ضد ما تقول وتصرح به.
كما يقول محمد حسنين هيكل عن ثورات الربيع العربي « إنما هو ” سايكس بيكو ” جديد لتقسيم العالم العربي وتقاسم موارده ومواقعه ضمن 3 مشاريع، الأول غربي ” أوربي- امريكي ” والثاني إيراني والثالث تركي بالإضافة إلى نصف مشروع اسرائيلي لإجهاض القضية الفلسطينية.. »
هل معنى ذلك أن الملايين التي خرجت في تونس وفي مصر وليبيا وسوريا واليمن وسيلحق بها الكثير من الدول العربية. كانوا قطيع أغنام يتبع مشاريع أوربية أمريكية إيرانية تركية وإسرائيلية، نسيت أن تضيف إلى ذلك جنوب أفريقا وفيتنام والصين وبنغلاديش , فكل هذه الأمم في نظرك تحمل من مقومات الإنسانية والذكاء أن لا تقع في مصائد المؤامرات التي تحلم بها، فالعرب أغنام تساق إلى مذبح بلا حول لها ولا قوة، تساق سوقا برعاة أجانب. يخططون لذبحها لتوضع على موائدهم. هل بالله عليك هذا هو الأيمان بالملايين من العرب؟
شعوب تثور على طغاة لصوص متسلطين، فنقول أنهم وقعوا ضحية مؤامرة، ولا اعلم كيف دخلت هذه المؤامرة إلى سيدي بوزيد في تونس أو ككله في ليبيا أو دير الزور في سوريا أو لحج في اليمن؟ لقد ثار هؤلاء على أيدلوجية باهتة تبناها مجرمون حكموا باسمها واستغلوا الأمة وهادنوا أعدائها.

كيف يكون “سايكس بيكو” ومؤامرة أو مؤامرات، وجميع من أزالهم الشعب العربي هم صناعة غربية أو محققون لصناعة غربية، وتعهدوا بالمحافظة على إسرائيل وأمنها؟ هل يكون الشعب العربي كله خائن أو غبي جاهل ؟
أما بالنسبة للثورات العربية وربيع الحرية العربي فيقول محمد حسنين هيكل : « بأن الثورات لا تصنع ويستحيل أن تنجح بهذا الأسلوب باعتبارها فعل لا يتم بطريقة « تسليم المفتاح » من قوى خارجية تطلب السيطرة ولا تريد إلا مصالحها فقط ولا يصح أن يتصور أحد أنها بعد المصالح تريد تحرير شعب »
وهنا يحرم الدكتور الفاضل الشعب الذي قدم الشهداء والجرحى من شرف انه ثار على الظلم الذي دام عقودا، بل أعطى هذا الشرف لغيرهم , واستمر في اعتبار الثورات هي ثورات تسليم مفتاح، وان القوى الخارجية هي التي تستحق هذا الشرف وليست الشعوب. هل بعد هذا احتقار؟ هل هناك تحقير لأمة من الأمم اكثر من اعتبارها قطيع أغنام يتبع راعي أجنبي؟

الذي يسترعي الانتباه في هذه الدعاوي أنها نفس ما قاله الطغاة. كلهم قالوا أنها مخططات أجنبية وأيدي خارجية، وكأن الدول الأجنبية تطرد الطغاة الذين يسهل التعامل معهم والضغط عليهم، بحكم ديمقراطي شعبي. ولا نعلم أيهما يسهل السيطرة عليه؟ ألم يرى العالم ما حدث على حدود فلسطين المحتلة يوم الأرض هذا العام؟ الم يرى العالم كيف انتقم الشعب المصري من سفارة إسرائيل؟ الم يرى العالم تكاتف ثوار مصر مع تونس مع اليمن مع سوريا مع ليبيا؟
كل هذا والدكتور الفاضل يعتبر أن الطغاة كانوا هم الأمان للقومية العربية . وأن الشعوب العربية لا تستحق أن تشارك في صنع القرار.

ويدلل على ذلك قوله في نفس المقابلة إذ قال: « ما نراه في هذه اللحظة هو مشروع قومي يتهاوى، وبقاياه تجري إزاحتها الآن، ومشروعات أخرى تتسابق إلى الفراغ، بعد أن أضاع ذلك المشروع مكانه وزمانه »
فاعتبر سقوط الطغاة هو تهاوي للمشروع القومي، كأنه يحمل مشروعا قوميا بدون قوم , مشروعا بدون شعب. ولكأن هذا المشروع لم يعطى الفرصة لأكثر من 60 عاما، ولم يزدنا فيها إلا رهقا.
وأوضح هيكل قائلاً: « على الساحة الآن وبالتحديد 3 مشروعات ونصف.. الأول غربي يبدو مصمماً ولديه فعلاً من أدوات الفعل والتأثير ما يشجع طلابه، والثاني مشروع تركي يبدو طامحاً، والثالث مشروع إيراني يؤذن من بعيد على استحياء، ثم أخيراً نصف مشروع أو شبح مشروع إسرائيلي يتسم بالغلاظة »
ما أجمل أن يكون هنالك نصف مشروع، حقيقة لقد أبدع الدكتور في أن المشروع الإسرائيلي لا يتجاوز نصف مشروع. ولا اعلم كيف أصبح المشروع الصهيوني نصف مشروع، هل خشي أستاذنا محمد حسنين هيكل أن يؤثر قوله أن المشروع الإسرائيلي هو الأساس في المصائب التي تتعرض لها المنطقة، خشي أن تتأثر علاقاته مع الجامعات الغربية، وإلا كيف يكون لتركيا وإيران وغيرها مشاريع كاملة ولإسرائيل نصف مشروع؟
ولكن كل ما أورده أستاذنا الكبير عن الثورات العربية عموما ’والثورة الليبية خصوصا لا يخرج عن كونه تحليل مبني على قواعد خارج سياق الزمن ومتخلفة تعود إلى فترة الخمسينات من القرن الماضي , وهنا نورد بعض ما قاله، فيقول :- « نحن نعلم مما نقرؤه الآن أن نفط ليبيا جرى توزيع امتيازاته فعلاً، وبنسب أذيعت على الملأ، كانت 30% لفرنسا (شركة توتال) و20% لبريطانيا (شركة بريتش بتروليم)، والحصة أقل لأن بريطانيا أخذت أكثر في نفط العراق.. وليست أمامي الآن نسب التوزيع فيما بقي، لكن ايطاليا تطالب بحق مكتسب (شركة إيني)، ثم إن الشركات الأمريكية تلح على دخول قائمة الوارثين.. وبعد إرث الموارد هناك »
لقد خالف كل التصريحات العربية والليبية والعالمية ’ووزع هو التركة، كأن الشعب الليبي قد مات وأن تركته أخذت توزع على الورثة، ويا لبراعته فلقد أعطى نسب للشركات ومن يرغب في زيادة ومن يرغب في تغيير، لقد صرح المجلس الوطني الانتقالي انه لن يعقد أي اتفاقيات نفطية مع أي دولة أو شركة وانه سيراجع الاتفاقيات السابقة ويقرر فيما يتم بشأنها، وهذه التصريحات ملزمة للمجلس الوطني الانتقالي، وحيث انه ليس بدائم، فكيف تقبل شركات النفط العالمية أن توقع اتفاقيات ملزمة مع جهة لا تملك الصلاحيات لذلك؟ ولكن هذا ينتج عن الأفكار المسبقة وسوء الظن بالشعب، وانه لا يستحق أن يحكم ألا بطاغية.

و زاد على تصريحاته التي لا نعلم مصدرها إلا من وكالة أنباء “زعموا” ووكالة أنباء “مصدر مسئول بدون اسم “، هذه الوكالات هي التي أوصلت المعلومات التي تقول أيضا :-

« تم تخصيص المواقع من خلال قاعدة للأسطول السادس في طرابلس لأمريكا ومركز مخابرات في بنغازي وطبرق لبريطانيا، وإيطاليا تحتج بأنها تاريخياً تعتبر ليبيا منطقة نفوذ لها، وفرنسا عبر البحر لها مطالبها.. كل هذا وصوت المعارك لا يزال يدوي، وسيل الدماء لا يزال يتدفق »
وهكذا وزع الدكتور محمد حسنين هيكل الدولة الليبية سواء بترول أو قواعد أو نفوذ على دول العالم ونسى أن هنالك شعب، شعب اسمه الليبيون، اذكره باسمه لعله قد نساه. شعب ضحى بالدم والعرق والدموع لينال حريته وكرامته، هل يعرف ذلك؟ أم انه شغل نفسه يتلقط إشاعة من هنا وإشاعة هناك، ونسى أن الشعب الذي ضحى لا يمكن أن يسمح بتناسيه أو نسيانه.
ولكن أقول كما ذكرت أولا، المفكر الذي لا يسعى لتطوير أدواته وتوسيع مداركه سيصبح منتهي الصلاحية، وأول هذه القواعد التي يجب أن يغيرها هي أن الشعوب هي من يملك القوة وليس الحكام، وان الشعوب هي من يقرر كيف توزع ثروته، وان الشعوب لن تسمح أن تتعرض مرة أخرى لا للاستعمار ولا للظلم ولا للتسلط. سواء داخليا أو خارجيا.
بالطبع قد تقع أخطاء هنا أو هناك ولكن الشعوب تستطيع أن تتجاوز كبواتها والاستمرار في التقدم.
ولكن على النخب والمفكرين أن يقوموا بتوعية الشعب، وان يثقوا بالشعب، فهو مصدر القوة وهو مصدر الشرعية وهو مصدر السلطات.
يجب أن على المفكر القديم أن يطور أدواته، التي كانت سابقا محدودة بالمؤامرات الخارجية، والخيانة والغباء السياسي والخداع، فلقد أصبحت قديمة، وحل محلها أدوات جديدة، مثل المصالح المشتركة، التعاون الدولي، حقوق الإنسان، الاقتصاد العالمي، التأثير المتبادل، والرأي العام العالمي.
وعلى دروب الحرية والكرامة نلتقي.

صالح بن عبدالله السليمان – كاتب مسلم عربي سعودي

 
Leave a comment

Posted by on November 15, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: