RSS

نوري الرزيقي : دولة مؤسسات لا دولة ثوار

16 Nov

لا شك أن الإطاحة بالصنم الذي جثم على صدورنا أربعين سنة ويزيد عملٌ كبيرٌ لا يقوم به إلا كُبراء القوم وكذلك كان شباب ليبيا رفعوا أرواحهم فوق أكفَهم فسطَروا الملاحم البطولية التي يفتخر وسيفتخر بها الليبيون، وسيسطًر التاريخ بطولاتهم وأمجادهم وجهادهم ضد طاغية عصره لعنه الله حيًا وميتًا وستدرَسُ هذه البطولات لأطفالنا في المدارس وسنقص هذه الأمجاد لأطفالنا في بيوتنا لتبقى حيَة في أذهاننا. لقد ثار الليبيون ضد الظلم والإضطهاد والطغيان الذي مارسه الطاغية وأتباعه في شتَىَ مجالات الحياة. لقد ثاروا لتغيير التمييز الممنهج بين أفراد المجتمع الليبي في عهد الطاغية ليصبح الليبيون سواسيةً في الحقوق والواجبات في دولة تكفل الحق للجميع وتحترم الجميع دون تمييز لأنهم مواطنون ليبيون فالمواطن كما عليه واجب تجاه مجتمعه ووطنه له كامل الحقوق.

لقد ميَز النظام المنهار بلا رجعة بين الليبيين فقرَب هذا وأبعد ذاك وكثيرٌ ما قرَب إليه رعاع القوم، ولأن الطيور على أشكالها تقعُ كان من خصال النظام المقبور تقريب كل أفاك أثيم ليجعل له حضوةً في قومه فسلَط السفهاء من القوم على قراهم ومدنهم وقبائلهم ليظمن ولائهم، فهو لا يأمن من تقريب رجال ليبيا المخلصين لأنه لا يأمن جانبهم فهؤلآء لا يرضون بالذلة والمهانة فكان له ذلك من إبعاد الشرفاء. فكل مؤسسات الدولة إن كان لها مؤسسات في عهد الطاغية المريض سُخَرت لأجل التخريب وضرب المنظومة الإجتماعية والأخلاقية والدينية للمجتمع الليبي. فبدلاً من انشغال مؤسسات الدولة بالتنمية والتطوير إشتغلت بالتخريب والتدمير. ومن ضمن ما كان يهدف إليه الطاغية هو إخلال التوازن الإجتماعي الذي كان يحظى به المجتمع الليبي، كان هذا التوازن الإجتماعي رافدا من روافد التكامل والتربية الإجتماعية الشاملة، فكان الليبيون وحدة إجتماعية متماسكة يشد بعضها بعضاً فكان الوالد يربي وكان الأخ الأكبر يربي والعم وابن العم والخال والجار وابن الشارع الكل يشترك في التربية والكل يشعر أن الحرص على ابن الجار واجب أخلاقي واجتماعي بل ومن ضرورات الحياة، فأتى المقبور لا رضي الله عنه فجعل يحارب هذه المنظومة الإجتماعية السمحة بل أنشأ لها مؤسسات وإدارات من أجل ضرب الليبيين في أساساتهم، ونجح إلى حد كبير لأنه استخدم كل مقومات الدولة لتحقيق هذه الأهداف المقيتة وزاده في ذلك طول فترة حكمه، الأمر الذي أعطاه فرصة سانحة لتحقيق تلك الأهداف الغير سويةً لرجل غير سوي.

قامت الثورة المباركة لاجتثات ظواهر التمييز والظلم والقهر ولينعم الليبيون بالحرية والكرامة والعدل والمساواة ولتسود الدولة الحامية للجميع فلا قبيلة ولا مدينة مميزة عن غيرها مع الإختلاف في التضحيات المقدمة، فالليبيون يعرفون جيدا من اشعل الثورة ومن قدم خيرة ابنائه فداءً للوطن وضحَى بنفسه وماله في سبيل ذلك الهدف السامي فهؤلآء الأخيار الأبرارلايرجون من الناس جزاءً ولا شكورا لا يستوون مع من تخلف يوم الزحف الأكبرعلى الطاغية وجنده. فنحن لن ننسى لهؤلآء الأبطال صنيعهم. لقد قام هؤلآء لتقوم دولة العدل التي يتمتع فيها جميع الليبيون بالكرامة والعزة فوق أرضهم ولاشك أن الطريق إلى ذلك بعد الهزيمة المنكرة التي ألحقها أبطال ليبيا بالطاغية وجنده هو بناء مؤسسات الدولة الليبية الجديدة والعودة لتلك القيم الإجتماعية والأخلاقية التي أتى عليها الطاغية فهدمها. لقد تكوَن المجلس الإنتقالي في الأزمة وسار بتوفيق من الله بليبيا في خطاً ثابتةً لتحظى بدعم واحترام المجتمع الدولي. إن العمل مع المسئولين مجلسًا وحكومةً هو واجبٌ وطنيٌ لابد منه من أجل الإستقرار والأمن والأمان الذي يبحث عنه الجميع. ولعلَي هنا أضرب مثلا بالمظاهر المسلحة في المدن وأخص بالذكر مدينة طرابلس، لقد شارك الثوار من مختلف مدن ليبيا وقراها إخوتهم ثوار طرابلس في تحرير عاصمتهم لأنها ترمز بلا شك إلى فقد الطاغية لأهم معاقله وأحصنها ويسَر الله لهم ذلك. ولأن لكل مقام مقال، فبعد تحرير طرابلس واستتباب الأمن فيها طلب السيد المحترم المستشار من ثوار المدن والمناطق الأخرى إخلاء العاصمة من السلاح لما له من انعكاس على شعور المواطن بالأمن والأمان فاستجاب أغلب الثوار لذلك النداء دعما لبناء وترسيخ مؤسسات الدولة الجديدة وفهم هؤلآء الأبطال أن أول الغيث قطرةً وأن إخلاء العاصمة من السلاح هو أول قطرات ودلالات بناء دولة القانون لأن القانون يحفظ حق الجميع. الإستثناء من ذلك جاء من بعض المحسوبين على الثوار ولا أقول الثوار لأن من ضحَى بنفسه من أجل تلك المبادئ السمحة لا يمكن أن يقف عائقاً أمام بناء مؤسسات الدولة ولكنَ هؤلآء الذين لم يستجيبوا لنداء الخروج من العاصمة ولازالوا يصولون ويجولون بعتادهم في الشوارع والمؤسسات أنا على يقين أنهم ليسوا أبطال التحرير ولكنهم كما سمَاهم أحد المعلَقين ثوار بعد التحرير فلا ألفاظهم ولا أخلاقهم تمت للثوار بصلة. فيا أيها الثوار الأبطال يا من ثرتم على الظلم، ساندوا المجلس الوطني ورئيس الحكومة وساهموا بقوة في ترسيخ واحترام مؤسسات الدولة واضربوا معاً كل مخالف للقانون كل من يحاول زرع الشقاق بينكم فلا قريب ولا ابن مدينة ولا ابن منطقة فكونوا كما كنتم وقت الحرب يداً واحدةً وابتعدوا عن التعصب الأعمى الذي زرعه الطاغية فيكم، فليبيا للجميع ولا مكان للقبيلة في السياسة بل دولة للجميع وبالجميع.

نريد دولة يسود ويكون القانون فيها حاميا وراعيا للمواطن الذي طالما ذاق الضيم والهوان خلال عهد الطاغية وهذا لا يتأتَََى إلا بسيادة القانون على الجميع، فلا يمسَُ المواطن وتنتهك سيادته ويقتاد من عمله إلى مكان غير معلوم كما كان يفعل زبانية الطاغية. فالمواطن أغلى شئ في هذا الكون كرَمه الله من فوق سبع سماوات، أفنهينه نحن ؟ فإن ارتكب فعلٌ مخالف فلا يحق لأحد غير القانون عبرالنيابة وغيرها من السلطات القضائية أن تقتاده باحترام وتحاكمه على ما قدمت يداه وله في ذلك حقوق، فهو مواطن أولا وآخرًا مخطئٌ كان أو مصيبٌ. نريد دولة يقف رئيسها أمام المحكمة العليا في حالة خطئه. لا نريد انتهاكً لكرامة المواطن واقتياده بعنجهية دون لياقة ولا لباقة ؟ لم يضحي شبابنا ورجالنا البواسل من أجل اذلال المواطن بل من أجل كرامته التي سلبت طوال أربعين سنة ظلماء.

يا ثوار ليبيا الأحرار ليكن شعارنا معا لبناء ليبيا ولتضربوا للعالم مثلا آخر في بناء دولة التقدم والإزدهار والعزة والكرامة فأنتم تملكون مقومات ذلك البناء وأنتم رجاله. ولا تلتفتوا إلى بعض المشككين من هنا وهناك فالله حبانا بخيرات لا تحصى فاحسنوا الظن وانصهروا في مؤسسات الدولة التي بذلتم الغالي والرخيص في سبيل إقامتها وأتمَُوا جهادكم فقد فرغتم من الجهاد الأصغروهو حرب الطاغية وأنتم الآن في الجهاد الأكبر وهو بناء الدولة، فجاهدوا أنفسكم وقدموها لوطنكم كما قدَمها شهدائنا الأخيار رحمهم الله، وتذكروا هؤلآء الشهداء في دولتكم ولا تستبدلوا اللجان الثورية بلجان أخرى عسكرية أو ثورية ولا تدعوا لذلك سبيلا واطلبوا الحق أينما كان وكونوا معه ضد من كان، قريبا أو صاحبا فبالحق ننتصر وبالحق والإنصياع للقانون نبني ليبيا الجديدة.

نوري الرزيقي

الرئيس المؤقت للجالية اللليبية بأستراليا
لايوجد تعليق

 
Leave a comment

Posted by on November 16, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: