RSS

الخمس – الحاضرة المُغيبة

17 Nov

نشر في: 17-11-2011

حين ورود خبر مفاده أن الحكومة الانتقالية المؤقرة “تأمل في أن يكون لمدينةِ لِبْدَهْ الأثرية الرومانية مستقبلٌ اقتصادي مشرق”، وفي الوقت الذي نشهد ونعيش فيه حدث تاريخي هام، ونحتفل بتحرير كافة التراب الوطني، والقضاء على أبرز رموز الطغيان والفساد، ونسعى لإعادة البناء والإعمار، استمالتني أفكاري وجادت قريحتي، التي كانت مكبلة لعقود، للخوض في الشأن المحلي، على الرغم من أن الشأن الوطني يبقى دائما يؤرقني، ويعد في مقام الأولويات. إن الخوض في مأساة جزء من الوطن لا يعني بالضرورة تكريس خطاب الجهوية والمناطقية، لأنني أمقته ويستفزني كثيراً. كما أرى أن الاهتمام بالجزء هو من صميم وركائز الاهتمام بالكل.

ورغم حقيقة أنني ولدت في مدينة الخمس وترعرعت في كنفها حتى هجرتي القسرية عنها وعن الوطن لسنوات طوال، ليس طلباً للعلم فقط بل لعدم إمكانية التعايش مع ظلم وقهر النظام المنهار، إلا أن تعلقي الجنوني بوطنيتي لا يسمح لي إلا أن أكون ليبياً أولاً وأخيراً. فحبي الشديد لمدينة للخمس لا يلغي ولعي المطلق بكل حبة من تراب وطني الغالي ليبيا، واجزم أن الكثير يشاطرني الرأي في هذا النمط من التعلق والربط بين الجزء والكل.

في هذا الصدد، تدور في ذاكرتي جملة من علامات الاستفهام:

فمن منا لا يتوق أو يقترح زيارة مدينة لبدة الكبرى وملحقاتها الأثرية التي تصنف من ضمن أهم معالم التراث الإنساني العالمي؟

ومن منا لا تلوح في باله فكرة قضاء إجازة صيفية على شواطئ الخمس الخلابة؟

ومن منا لا يفكر في قضاء يوم ربيعي عائلي في ربوع الخمس الجميلة؟

للتوضيح، هذا ينطبق فقط على “أولاد الحلال”، أي من حباه الله بعزيمة رفض ومقاومة أكل الزقوم، ولم يلعق الأحذية أو يسيل لعابه للمغريات المشبوهة، ولم يرضى بإفساد ذمته طيلة حكم النظام المهزوم الفاسد، ولكن هذا لا ينطبق حتماً على اللصوص “أكلة الحرام”، ممن تستغويهم الأهواء وملذات الحياة ويستبيحون “كل شئ!”، حتى أعراضهم!!!، ويعتبرون السياحة الداخلية “لا تليق بمقامهم”.

ولكن… من منا لا يتردد ألف مرة في القيام بذلك، ويأسف على حالة الخمس البائسة والداعية للشفقة!!! فالاهتمام بالمعالم الأثرية يستوجب حتماًٍ الاهتمام بمحيطها الخدمي والبيئي وغيره.

السبب، وببساطة، عدم جاهزيتها وتأكل أو انعدام بنيتها التحتية مما يدعو للحسرة والأسى، وهنا بيت القصيد!!!

الخمس يا سادة، تضل حاضرة في ذاكرتنا، ولكن وللأسف ضلت منسية ومهمشة طيلة عقود الطغيان. وهي كما شبهها أحد الأصدقاء من سكانها المولعين بحبها “كالفتاة الجميلة المقترنة بزوج فقير معوز”. فجمالها من طبيعتها التي حباها الله بها، ولكن ليس منة من أحد أو من نتاج الاهتمام بها، رغم سهولة القيام بذلك، وبأقل التكاليف.

الخمس انتفضت وصمدت منذ انطلاق ثورة 17 فبراير التاريخية لكنها لم تتعرض للدمار من قبل عصابات الطاغية أسوة ببعض المدن الليبية الأخرى لأنها تعرضت لدمار مبطن طيلة عقود الطغيان، ولم تنل أقل ما يجب القيام به من مشاريع تنموية تنسجم مع خصوصياتها في دولة تتسم بالثراء. بل على العكس، عمدت الطغمة الفاسدة المنهارة التي كانت تتحكم في مصائرنا على الإساءة لها وتدميرها عمداً وبشكل ممنهج. وهنا يمكن الإشارة إلى بعض السلوكيات المشينة في حقها:

– العمل على طمس اسم المدينة وإحلال مسمى “المرقب” بديلاً عنه، وهذا يمكن ملاحظته بوضوح في كافة التعاملات “الرسمية”، بما فيها نشرات الحالة الجوية. هنا يجب التنويه إلى احترامي الشديد لمعركة المرقب الخالدة التي تلاعب بوقائعها رأس النظام المخلوع وحرّفها وسخرها لخدمته من أجل تزييف الحقيقة والدعاية الكاذبة لحاشيته.

– عدم اشتراك أو إشراك أي شخص من المدينة، سواء من ذوي الكفاءات أو حتى القلة من ذوي الولاءات (أو ما يحلو لي نعتهم بالمرتزقة المحليين) ، في أي موقع من المناصب العليا طيلة فترة انقلاب 69 المشئوم.

– تنصيب رموز فاسدة من النظام المنهار لنهب مقدراتها والعبث بها تحت ذريعة إدارة شؤونها المحلية.

– تلويث بيئتها بتكدس القمامة وبإقامة مصانع مضرّة للبشر والشجر والحجر (الاسمنت/ السردين/القاعدة العسكرية البحرية والتي حول جزء منها إلى ميناء تجاري لا حباً فيها بل لغرض تسهيل عمليات جلب سيارات الخردة وتهريب الممنوعات بما فيها الخمور والمخدرات والسلاح والمرتزقة… الخ).

– تهميشها تنموياٌ، وابرز ما نلحظه شوارعها المدمرة والحالة البائسة لشبكات الاتصالات والكهرباء والمياه، مع تعمد ترك مياه الصرف الصحي (السوداء) تتدفق في شواطئها من أمد.

– الإهمال المتعمد لمدينة لبدة الأثرية وملحقاتها.

– الإصرار الأرعن على إبقاء الحامية العسكرية المتهالكة التي بناها الانجليز إبان حقبة الاستعمار وهي تحتل حيز مكاني هام وكبير في قلب المدينة رغم ضيق الحال.

وما خفي كان أعظم، ولكن لماذا يا ترى هذا الحقد الدفين؟!

الإجابة، وبكل بساطة، أن الطاغية المقبور “ملك ملوك الاستبداد” لا يحبها مع سبق الإصرار والترصد، لأنه يمقت النجومية حتى ولو كانت الحالة مكانية، والغريب في هذا السياق، وجود “مكتب مكافحة النجومية” ضمن أجهزته الإستخباراتية التي كانت مكرسة لحمايته ولممارسة الإرهاب على الشعب الليبي.

إن الدلالات على كرهه الدفين لمدينة الخمس وما حولها لا تحصى. فعقب انقلاب 69 بفترة وجيزة قام “سلطان الشر” بزيارتها وقال عنها عندما لم يلحظ صوره معلقة في الأماكن العامة بأنه كان يجب على قاطنيها وضع صور الملك إدريس. بمعني أنها لم تكن تكنّ الولاء له ولازالت تحنّ للملكية! ومن تلك الزيارة يبدو أنه حكم عليها بالإبادة الممنهجة، والجرائم التي ارتكبها هذا السفاح وزبانيته في حقها لا تحصى.

إن أخر جريمة ارتكبت في حق ثوارها الأشاوس هي ما صارت تعرف “بمجزرة الحاويات”، والتي راح ضحيتها عدد كبير من خيرة شبابها اللذين نترحم عليهم وعلى كافة شهداء الحرية في ليبيا الكبرياء. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن أخر اهانه مباشرة ارتكبها “عميد المجرمين في العالم” هي الزيارة التي قام بها للمدينة قبل اندلاع ثورة 17 فبراير المجيدة والتي تمثلت في لقاء أمر فيه أزلامه بجلب نسائها فقط دون رجالها، وهذه رسالة رخيصة خسيسة أخرى أراد من خلالها توجيه اهانة أخرى لأهل المدينة وضواحيها، ولكنهم صبروا وصمدوا ونالوا، لأن الله عز وجل “يمهل ولا يهمل”.

د. أحمد علي الأطرش

مواطن ليبي

 
Leave a comment

Posted by on November 17, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: