RSS

محمد طرنيش .. رحلة انتهت قبل أن تكتمل

22 Nov

الاستاذ محمد طرنيش – رحمه الله

منذ سنوات ابتعدت عن عالم الصحافة والإعلام وتفرغت لبيتى وأسرتى الصغيرة واكتفيت فقط بأن أكون قارئة لما يُنشر وخاصة فى الإنترنت ومتابعة شغوفة لعمل زوجى وكتاباته وكل مساهماته فى الحياة السياسية والإجتماعية والعمل الصحفى والأهلى والحقوقى .. وتشرفت بكونى رفيقة سنواته الأخيرة ووقفت على أدق تفاصيل مامر به من مواقف وأحداث حتى قبل أن ألتقيه خلال رحلته التى تجاوزت التاسعة والخمسين بشهرين ونصف ..

لم يخطر ببالى أن عودتى للكتابة ستكون لأكتب عن نورس طرابلس بعد وداعه ، وهو الذى كتب عن العديد ممن قدموا لهذا الوطن ورحلوا وذكَّرنا بمن نسينا أو تناسينا منهم ، لكن هزنى أن تُفتح طرابلس بعد أن ترجل هو وغادر بشهر واحد ولم يحضر النصر الذى سهر الليالى يعد له حتى قبل أن تكون هناك ثورة ، هزنى أن ساحة التحرير فى بنغازى التى أحبها قد ضجت لأكثر من ليلة بالتكبير والترحم عليه وقراءة الفاتحة لروحه وهو الذى كان يتطلع للنهوض من فراش المرض ليذهب أليها للقاء زملاء الكفاح ورفاق الحلم ويصافح عائلات الشهداء والجرحى والمصابين ويخفف كما هى عادته بالقول والمال والجهد والوقت على المحتاجين عناء ما أحوجهم قدر ماأعانه الله ، وهزنى أكثر أن لا أجد من يفتقده فى احتفال ميدان الشهداء بطرابلس يوم الإثنين الماضى ، مقعده شاغر ومكانه خاوٍ ورفاقه يقفون لتحية نشيدنا الوطنى وتتوالى الكلمات فى طرابلس مقره وعرينه ولا احد يطلب من الجمع الغفير أن يترحم على أحد الطرابلسيين الذى لم يدخر جهداً لصنع اللحظة التى يقفون فيها باعتزاز تعلو محيا كل منهم نشوة الإنتصار الذى كافح لأجله ورحل ككثيرين غيره دون أن يحصدوه .

كل ركن فى طرابلس فيه بعض من “محمد طرنيش” هنا وُلد هنا لعب هنا وقف هنا كتب هنا شارك فى فاعلية ما هنا ألقى محاضرة أو حضر ندوة أو ساهم فى تأسيس جمعية أو نادى أو منتدى وهنا وهناك كان يلتقى بأصحاب الحاجات ، هنا درس فى مدرسة أو صلى فى جامع وهنا سار كل يوم نحو عمله بمصرف الأمة ، أو دخل السرايا باحثاً عن كتاب أو مخطوط ، وهنا كانت له جلسات بمقهى (السرايا) مع الأصدقاء أو ذوى الحاجة ، وهنا تنقل بين مكتبة وأخرى وبين مطبعة أو جريدة وأخرى ، فى كل ركن له بصمة وفى كل بقعة له موقف ، وهناااا بمقبرة الشويرف بسوق الجمعة رقد للأبد قرب البحر الذى أحبه وفى طرابلس التى عشقها كما كل تراب الوطن ، هنا يرقد منتظراً إكليل ورد معطر بالوفاء وعرجون فل مجبول بالعرفان وزيارات مشحونة بالإعتراف بقدره ومرارة فقده .

بدأ “محمد طرنيش” ابن المدينة القديمة وباب بحر وشارع ميزران ثورته قبل سنين طويلة عندما كان مجرد التفكير فى الإعتراض يعبد الطريق إلى المشنقة ، ورفض الإبتعاد عن ليبيا وجواز سفر من جنسية غيرها ، فصار نزيل السجون لسنوات أطلق عليه رفاق السجن خلالها “أيوب” لصبره ومعاناته وبمرض عضال خرج إلى حجرة العمليات بمستشفى (صلاح الدين) ومازالت آثار القيود محفورة على قدميه حتى دخلت اللحد معه ، واصل ثورته فى مجلة (لا) واستأنفها فى مقالاته بصحيفة الشط حيث كانت كلماته السبب فى تغيير أحد كتب المنهج بجمهورية مصر لأنها تضمنت جملة تسيء إلى الليبيين فلم ينتظر أمانة التعليم ولا المركز الثقافى الليبى بمصر وإنما امتشق قلمه كعادته وكتب فتغير المنهج وأرسلت له وزارة التعليم بمصر كتاب شكر وتقدير ، واصل “محمد” ثورته بمقالاته فى كل الصحف المقروءة والإلكترونية ، وكثّف نيران قلمه بصحيفة (مال وأعمال) حتى رُفعت فيه القضايا ودخل النيابة وصار يوقع لديها كل أسبوع ومُنع من السفر ثم مُنع من الكتابة لأن الحمقى يظنون أن الأقلام تصدأ إذا أطالت المكوث فى أغمادها ، ثم واصل ثورته مديراً تنفيذياً لجمعية حقوق الإنسان ، فساهم فى إطلاق سراح كثير من السجناء وساعدهم وغيرهم فى الحصول على مستندات ووثائق تمكنهم لدى الجهات العامة من الحصول على حقوق أبسطها العلاج أو فرصة العمل أو التعويض المالى أو العودة إلى الوطن وإقفال الملف لدى الأمن .

لم يسعى لمنصب ولم ينتظر المقابل وكثيراً ماهُضم حقه مادياً ومعنوياً ، ولطالما ترشح اسمه لموقع أو مركز ما فيهمس أحد الناقصين فى أذن المسئول قائلاً (هذا واحد محسوب على المعارضة وحيتعبنا ، فكوكم منه خير) وكثيراً ما أتت المذمة من أحد المختفين فى ثوب صديق أو زميل .

لم يلتحق “محمد طرنيش” بثورة (17 فبراير) المجيدة بل هى التى التحقت به ، فأقفل النظام هاتفه مذ تفجرت ولم يعيق ذلك تواصله مع ثوار بنغازى ومصراتة والزاوية والزنتان وواصل الإجتماعات وإرسال أخبار طرابلس للنشر رغم الحظر ولما تأكد أن القبض عليه مسألة ساعات غادر طرابلس على مضض وذهب لتونس مواصلاً الثورة ومسخراً علاقاته مع الأشقاء بتونس لخدمتها .

ولأنه بدأ مبكراً جداً وسبق الثورة وجُل الثائرين فقد غلبه التعب وخلد للراحة على سرير المرض آملاً أن يواصل لكن الراحة التى أضناها طول الشوق إليه وهى التى لم تعرفه لتسعة وخمسين عاماً أوتتعرف عليه تشبثت به وأبت أن تعيده إلينا واستأثرت وحدها بفتى طرابلس الحالم وقلمها الثائر وقلبها النابض بالحب والعطاء .

غادر”أبوجهاد” دون أن يعرف أنها النهاية لرحلة لم تكتمل بعد ، أخذه خلالها حب ليبيا من بيته وأهله وولده ونفسه ، مازالت مخطوطاته على الرف ومسودات كتبه فى أدراج مكتبته وبدايات كثيرة لم تنتهى ولا أخالها تنتهى ، تقطعت السبل بالكثير من أحلامه وتطلعاته ، كتب عنه قلة من أخلص أصدقائه وبكته كلماتهم وأحاديث السمر … وها أنا أبدأ كتاباتى عنه وسؤال كبير يرافق كلماتى ..هل سيطوق النسيان أو النكران ذكرى هذا الرجل ومكانته فى الذاكرة الليبية ؟!!

 

بقلم : أم جهاد

______________________________________

نشر المقال بصحيفة عروس البحر بتاريخ 27/9/2011

 
Leave a comment

Posted by on November 22, 2011 in Uncategorized

 

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

 
%d bloggers like this: